04 July 2011

جوانتانامو تراباني. دخلنا مركز كينيزيا لتحديد الهوية والترحيل


مراكب صفراء وحمراء وزرقاء. بعضها يسمى .Tarros وأخرى تسمى ديلا Ttl. مَن يدري بأي سفن تجارية وصل هؤلاء، ومَن يدري أي الطرق البحرية سلكتها كل تلك الحاويات قبل أن تحط في ريف تراباني الذي من بعيد يبدو وكأنه تلألؤ البحيرة، ولكن من قريب ليس إلا جدار حصين كالقفص، وربما يكون أسوأ ما يوجد في إيطاليا منذ بداية القرن الحالي، إيطاليا القاسية والرافضة لاستضافة أسوأ المسافرين: الحراقة. نجد أنفسنا أمام مركز كينيزيا الجديد لتحديد الهوية والترحيل. ليس من حق أي صحافي الدخول. القانون رقم 1305 الصادر في الأول من أبريل يحظر ذلك. ولكننا - وبالرغم من ذلك - قررنا المحاولة. تركنا السيارة في الميدان الفسيح، ومستفيدين من تبادل عناصر الشرطة نوبات الحراسة، اقتربنا بقمة اللامبالاة من القفص، وكأنه أمرٌ طبيعيٌّ. لم يطلب منا أحدهم التحقق من هويتنا، وها نحن على بعد خطواتٍ قليلةٍ من القفص الحديدي

عرضه ثلاثة أمتار، وطوله خمسة أمتار. مُثَبَّت بين قائمتي إحدى الحاويات. هذا هو مدخل المركز. من خلال شبكة من الحديد، تظهر أصابع أولئك الذين يتشبثون بالبوابة على مدار اليوم، كي تتمكن أعينهم من التقاط أنفاسها. ذلك لأنه من الداخل لا يمكن رؤية أي شيء سوى بوابة المركز الحصينة، والسماء الصافية لهذا الصيف الساخن، التي تعبرها فقط الطائرات المقاتلة المتجهة إلى ليبيا، وكذلك       القريب جداً Trapani Birgiالمتجهة إلى مطار Ryanairالرحلات الجوية لـ
 . وبالنظر من خلال القضبان، يمكن رؤية الخيام التي نُصِبَت على أسفلت ممشى الطائرات غير المعَبَّد الخاص بمطار كينيزيا العسكري القديم، تماماً كما يتضح في الفيديو الذي تم تسجيله بواسطة الهاتف الجوال، والذي أرسله لي أحد المحتجزين عبر البلوتوث


يأتي المحتجزون عبر البحر، داخل الحاويات التي تبدو وكأنها فخاًّ لهم. يبلغ إجمالي عددهم 83 شاباًّ، أغلبهم تونسيون، باستثناء ليبي ومغربيان. وصل هؤلاء الشباب لامبيدوزا في الأشهر الماضية. هم أناسٌ عاديون، باستثناء بعض المحكوم عيهم الذين فرُّوا من سجون بن علي، وأربعة مثليين أتوا من تريبولي لطلب اللجوء. خمسة وعشرون منهم لديهم أقارب في فرنسا وإيطاليا، وثلاثة متزوجون من سيدات أوروبيات يقمن كل يوم بالتوجه إلى مقار الشرطة ومركز تحديد الهوية والترحيل في محاولة لإخراجهم من هناك

أمام بوابة المركز تقف إحدى سيارات الشرطة، كما أن هناك عدداً من عناصر قوات حفظ النظام. أحضر أحدهم علبة من حلوى صقلية، وها هم يتناولونها أمام القفص، يبدو أنهم سعداء، لكن هذا ليس إلا وسيلة لتخفيف حدة التوتر؛ حيث أن الانتفاضات باتت يومية، وكذلك محاولات الهروب، وعمليات التفتيش، والضرب، لدرجة أن رجال الشرطة الذين يرافقون المحتجزين خارج القفص لمقابلة محاميهم يضعون سلاحهم داخل الحافظة دون وضع الخزنة؛ خوفاً من قيام أحد المحتجزين بسرقة السلاح وبه ذخيرة

Insieme لم يعد يدخل أحدٌ القفص، ولا حتى الأخصائيون الاجتماعيون أو الوسطاء الثقافيون التابعون لمؤسسة التعاونية
.Connecting People الهيئة التي تتولى الإدارة, التابعة لمؤسسة
 . ويتم توزيع وجبات الطعام من خلال فتحة محفورة من خلال القضبان الحديد، وكبيرة بما يكفي لتمرير طبق من خلالها

لمراقبة ما يجري داخل المركز توجد كاميرات مراقبة تنتشر في دائرة مغلقة في أنحاء المركز. تظهر الصور التي تلتقطها كاميرات المراقبة على مدار 24 ساعة يومياًّ على شاشة تلفزيونية مسطحة في صندوق خارج المركز. وهناك من هو مسئول عن مراقبة هذه الصور ومتابعتها، بينما يداعب أحد رجال الشرطة كلباً تبناه فريق الشرطة بعد أن كانوا قد وجدوه وحيداً بالقرب من المركز. في مكانٍ قريبٍ، يصعد اثنان من الزملاء سلماً خشبياًّ فوق السياج المصنوع من الحاويات، لتفقد مصابيح أعمدة الإنارة التي قام المحتجزون بتحطيمها بالحجارة الليلة الماضية. ليس هناك داعي للاستغرب، فقد باتت هذه الأمور تحدث كل ليلة. السلالم الخشبية الطويلة المسنودة على السور تستخدم لهذا الغرض


وبمجرد أن تُظْهِر كاميرات المراقبة حركات مثيرة للقلق، يصعد رجال الشرطة على أسقف الحاويات ويشرعون في إثارة الرهبة في نفوس المحتجزين وإعطائهم أوامر بالعودة إلى خيامهم. وعندما يتأخر تدخل رجال الشرطة، ويكون المحتجزون قد اعتلوا أسقف الحاويات، تأتي الأوامر برشقهم بالحجارة. هذا ما يحدث بالضبط. يقوم رجال الشرطة بجمع الحجارة من مزارع الكروم المنتشرة حول المركز، ثم يقومون بإلقائها على من يعتلي السور. ومن الواضح أن مواجهة جسد بجسد على بُعد خمسة أمتار هو أمر بالغ الخطورة

ولكن ليس كل السجناء يريدون الهرب. فهناك العشرات مِمَّن يطالبون بالعودة إلى ديارهم، لأنهم لم يعودوا يطيقون ما يجري لهم. كما أن هناك آخرون يفضلون الاستمرار في مواجهة هذه الظروف والانتظار لرؤية ما سيحدث، ولكي يستميلوا رجال الشرطة، يقومون من وقتٍ لآخر بإخطارهم باستعدادات البعض للهروب. وفي هذه الحالة، تتدخل قوات مكافحة الشغب، كما حدث في منتصف حزيران/ يونيو الماضي، وتقوم بتفتيش الخيام خيمةً خيمةً، ثم يقومون بأخذ الحبال التي كان ينوي المحتجزون استخدامها في الهرب. نعم؛ فتسلق جدار من الحاويات يبلغ ارتفاعه خمسة أمتار ليس بالأمر الهين

هناك مَن يقوم بربط ملائات السرير معاً، وهناك مَن يربط الأحزمة، والبنطلونات وملابس أخرى. أما باقي الأمر فيتولاه زارجا. وهو شابٌ تونسيٌّ، يطلقون عليه هذا اللقب بسبب عينيه الزرقاوتين، "زرقاء" باللغة العربية. إنه أكثر الشباب رشاقة. يستطيع خلال ثوانٍ قليلةٍ تسلق الجدار بإيدٍ خاليةٍ، ثم يقوم بتثبيت الحبل – الذي يمرره له زملاؤه من أسفل – داخل فتحات الجدار. بعد ذلك، يُسرِع الآخرون في تسلق الجدار مستخدمين الحبال، وإنهاء الأمر في أسرع وقتٍ ممكنٍ

ومع ذلك، لا تفلح هذه الطريقة في الكثير من الأحيان. فخلال أسبوعين، لم يتمكن من الهروب سوى زارجا، الرجل العنكبوت. ولكن في نهاية المطاف، تتكرر إعدادات الهروب الكبير بكافة تفاصيله كل يوم

حدث ذلك في مساء يوم 23 حزيران/ يونيو، عندما تمكن - في دقائقٍ قليلةٍ – 59 محتجزاً من أصل 83 من الفرار من مركز كينيزيا لتحديد الهوية والترحيل. بلا حبال وبلا زارجا. ولكن فقط الشعور بالغضب الشديد. القشة التي قصمت ظهر البعير كانت امرأة

إنها تُدعَى ويني، وهي زوجة نزار. كنا قد تحدثنا عنه منذ شهرين. الفتاة الهولندية صاحبة الـ 23 عاماً، المتزوجة من تونسي عمره 29 عاماً وصل إلى لامبيدوزا، والآن هي حامل في شهرها الثامن. منذ أسبوعين، كانت تأتي صباحاً ومساءً لمركز كينيزيا لتحديد الهوية والترحيل لمقابلة زوجها والتحدث معه 


عصر يوم الخميس، عادت ويني من مركز كينيزيا داخل سيارة إسعاف، كانت حالتها سيئة وتنذر بولادةٍ مبكرةٍ وشيكةٍ. لم يتمكن نزار من توديعها، فقد كانوا قد أعادوه إلى القفص قبل أن تسوء حالة ويني الصحية. لكنه تمكن فقط من رؤيتها من وراء القضبان وهي تصعد سيارة الإسعاف وتبتعد. إلى جانب ذلك، كانت بطارية هاتفها الجوال قد نفذت، ولم يتمكنا من التواصل عبر الهاتف. الغضب والإذلال الذي شعر به نزار كرجلٍ وكأبٍ امتد إلى نفوس مَن حوله، فتحول إلى شعورٍ عام بالغضب والإذلال

وراء الهدوء الظاهري للساعات التالية، استعد كل واحدٍ للانتفاضة على طريقته، فقاموا بإزالة أنابيب هياكل دعم الخيام، حتى يتسلحوا بمعدات حديدية يدافعون بها عن أنفسهم في حالة ما هاجمتهم قوات الشرطة. ولكي لا يراهم أحد، تسللوا بجوار الحاويات، على جانب البوابة، في منطقة لا تغطيها كاميرات المراقبة، في انتظار اللحظة المناسبة

وعندما قام رجال الشرطة – وذلك حوالي الساعة التاسعة مساءً - بفتح البوابة لإدخال سجين جديد تم ترحيله للتو إلى المركز، اندلعت الانتفاضة. في كتلةٍ واحدةٍ، أخذ المحتجزون يدفعون البوابة إلى أن فُتِحَت على مِصْرَاعَيْها، وفي النهاية كانت السيادة لهم في الصدامات التي وقعت مع عناصر الشرطة، وبالتالي تمكنوا من الهرب بعد أن تفرقوا في جميع الاتجاهات وسط مزارع الكروم والزيتون التي تحيط بالمركز، والتي يغطيها حلول الظلام

في اليوم التالي، تمكنت عناصر الشرطة من تعقب ثلاثة من الهاربين الذين يبلغ إجمالي عددهم 59. وجعلوهم يدفعوا ثمن ما فعله باقي زملائهم الفارين. ووفقاً لشهود عيان موثوق بهم، نُقِلَ الثلاثة إلى خيمة خارج المركز، تُستخدم عادةً لإجراء مقابلات، ومخصصة لآلة القهوة الأوتوماتيكية. هناك، أجبرهم رجال الشرطة على خلع ملابسهم، ثم انهالوا عليهم بالضرب بطريقةٍ وحشيةٍ. من رأى هذا المشهد يؤكد تناثر الدم في كل مكان. لم نتمكن من التحدث مباشرةً إلى الجرحى لأننا لم نُرِدْ أن نعرضهم لانتقامٍ محتملٍ

في هذه الأثناء، تمكن الجرحى الثلاثة من التحدث إلى جون ليونارد تودي (من الحزب الديمقراطي) والذي بعد زيارته لمركز بالاتسو لتحديد الهوية والترحيل، قام في 27 حزيران/ يونيو الماضي بزيارة مركز كينيزيا لتحديد الهوية والترحيل، وطالب بالإغلاق الفوري لهذا المركز. من جانبها، اكتفت بلدية مقاطعة تراباني بمجرد الإعلان عن أنها خلال أيام ستفتتح مركزاً جديداً لتحديد الهوية والترحيل سيسمى ميلو، وسيسع لاستقبال 204 سجيناً، وهو ما سيسمح بالإخلاء المؤقت لمركز كينيزيا لتحديد الهوية والترحيل، ولكن لن يؤدي إلى إغلاقه

ترجمة: محمد نجيب سالم